أحمد مصطفى المراغي

180

تفسير المراغي

وعبر بالخبير ولم يعبر بالعليم ، لأن الخبرة العلم بدقائق الأمور وخفاياها ، والشهادة يكثر فيها الغشّ والاحتيال حتى لقد يغش الإنسان فيها نفسه ويلتمس المعاذير في كتمان الشهادة أو تحريفها . فليتدبر المسلمون ذلك ، وليعملوا بهدى كتابهم ، ويقيموا الشهادة بالحق ، ففي ذلك فلاحهم في دينهم ودنياهم . ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ) هذا خطاب لمؤمني اليهود ؛ فقد روى عن ابن عباس « أن هذه الآية نزلت في عبد اللّه بن سلام وأسد وأسيد ابني كعب وثعلبة بن قيس وسلام بن أخت عبد اللّه بن سلام ويامين بن يامين ، إذ أتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقالوا نؤمن بك وبكتابك وبموسى وبالتوراة وعزير ونكفر بما سوى ذلك من الكتب والرسل ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - بل آمنوا باللّه ورسوله محمد وكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله - فقالوا لا نفعل ، فنزلت ، قال فآمنوا كلهم » وقيل : إن الخطاب فيها للمؤمنين كافة ، والمعنى ازدادوا في الإيمان طمأنينة ويقينا وآمنوا برسوله خاتم النبيين وبالقرآن الذي نزّله عليه وبالكتب التي نزّلها على رسله من قبله ، فإنه لم يترك عباده في زمن ما محرومين من البينات والهدى . وبعد أن أمر بالإيمان بما ذكر توعد من كفر بذلك فقال : ( وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً ) أي ومن يكفر باللّه أو بملائكته أو ببعض كتبه أو رسله أو اليوم الآخر ( وهي أسس الدين وأركانه ) فقد ضل عن صراط الحق الذي ينجّى صاحبه في الآخرة من العذاب الأليم ، ويمتعه بالنعيم المقيم . ومن فرّق بين كتب اللّه ورسله فآمن ببعض وكفر ببعض كاليهود والنصارى